نهاية الحكمة مع تعليق محمد تقي المصباح اليزدي | محمد حسين الطباطبائي
والكتاب الماثل بين يديك – عزيزنا القارئ – حلقة من سلسلة ذهبية رصينة كتبها في الحكمة المتعالية ووسمها ب (نهاية الحكمة) تسليكا للطريق وتمهيدا للسبيل أمام بغاة الحكمة وطلابها وإعانة لهم في ورود لججها وسبر أغوارها في المراحل المتقدمة من أسفارها.
فإن للإنسان قوة يمتاز بها من سائر الحيوانات، وهي القوة النطقية التي بها يتعقل المعقولات ويتمكن من النظر والاستدلال واكتساب المجهولات. ولما كانت المجهولات كثيرة وكان العلم بها ذا شعب متكثرة، بحيث لا يمكن للواحد الإحاطة بجميعها، فافترق أهل العلم إلى فرق مختلفة. ولما كان هذا الكتاب من الكتب الفلسفية المتداولة للدراسة عند محصلي العلوم في الحوزات العلمية وغيرها ومحط أنظار الأساتيذ وأهل العلم والتحقيق قمت بتصحيحه وتحقيق متنه وتخريج أقواله من منابعها، واعتمدت في ذلك على أهم الجوامع الفلسفية والكلامية، وكذا علقت عليه بتعليقات لازمة لإزاحة التشويشات وإيضاح المبهمات، ولم يكن بناؤنا على التعليق عليه تفصيلا. وبتعبير آخر: بحثا نقتصر فيه على استعمال البرهان، فإن القياس البرهاني هو المنتج للنتيجة اليقينية من بين الأقيسة، كما أن اليقين هو الاعتقاد الكاشف عن وجه الواقع من بين الإعتقادات.
من بين المتون المعتمدة في تدريس الفلسفة الإسلامية، يمتاز كتاب نهاية الحكمة لمؤلفه العلامة الطباطبائي بجملة مميزات، … نذكر منها: 1- أكثر المتون الفلسفية المعتبرة لم تكتب لأجل التدريس في الحوزة، بل كان الهدف منها تقديم دورة فلسفية كاملة، أما الهدف الأساس من تصنيف النهاية فهو تقديم كتاب درسي لطلاب الحديثي العهد بالفلسفة، فحاول المؤلف مراعاة الشروط اللازمة لذلك.
2- لا تتمتع المسائل الفلسفية بالسلاسة والبساطة، بل هي مسائل صعبة ومعقّدة، أما كتاب النهاية فكان كتابًا منسجمًا وسلسًا.
3- سعى السيد العلامة في هذا الكتاب إلى أن يراعي الترتيب المنطقي للمسائل، فتراه لا يحيل القارئ في مقدمات المسألة إلى مسائل لاحقة سوف تأتي. ففي كل مورد يعالج فيه البحث عن مسألة، فإنك تجده إما يبيّن مقدماتها كلها ويثبتها. أو يستفيد من المباحث التي فرغ من إثباتها.
4- كتاب النهاية من حيث ترتيب أبوابه وفصوله ورؤوس مطالبه شبيه جدًا بكتاب الأسفار لصدر المتألهين الشيرازي، بل هو في الواقع تلخيص له باستثناء بعض الفصول، مع ملاحظة أن السيد العلامة قد أضاف نظرياته الخاصة في هذا الكتاب. وهذه الخصوصية جدّ مفيدة لمن ينوي متابعة دراسته الفلسفية، إذ سيكون – بدراسته هذا الكتاب – قد اطلع، في الحدّ الأدنى، على أمهات المسائل الفلسفية في الحكمة الإسلامية وعلى خلاصة كتاب الأسفار.
5- أحيانًا يطرح السيد العلامة في هذا الكتاب بعض المسائل الجديدة التي لم تكن مطروحةً من قبل، وتخلو منها الكتب الفلسفية الأخرى، كما يبيّن في بعض الأحيان آراءً عميقةً في حل بعض المسائل، وهي بالتالي تشير إلى آخر الآراء الفلسفية في باب هذه المسائل.
فلأجل هذه الميّزات، وغيرها، أصبح كتاب النهاية كتابًا رسميًا في الدراسة الفلسفية، وقد درّسه الأستاذ والفيلسوف الكبير آية الله مصباح دام ظله وقررت دروسه وقدّمت في هذا الكتاب بعد تفريغها وتنظيمها وإعادة النظر فيها، بإشرافه ورعايته.
ويتميّز درس الشيخ المصباح بأنه يقرّر مطالب الكتاب أولًا، ويتعرّض للنقد حيث يلزم، ثم يشير إلى ما يتبناه من رأي في المسألة. وهذه الطريقة في التدريس لها أثر مهم في تطوير التفكير وحث السامع على الوصول إلى رأي مستقل خاص به.











Reviews
There are no reviews yet.